مقتل الحسناوي والمآمراتولوجيا وجذور أزمة القاعديين ! لـ علي بلمزيان
تقديم لا بد منه :
بمجرد ما كتبت الحلقة الأولى من هذا الموضوع سارع أحد الأشخاص ، سيرا على عادته في شن الحملة المسعورة ضد مناضلي النهج الديمقراطي على جريدة صوت الشعب، إلى إعادة إنتاج إشاعات قديمة تتدعي من جهة أن البرنامج المرحلي كان أول من تعرض للعنف في نهاية الثمانينات على يد مناضلين قاعديين ونعت أحد الرفاق "بالجزار" ومن جهة أخرى ترويج لبهتان مفاده أنني تسببت في انتحار أحد المناضلين الذي اعتقل ومر من المعتقل السري الدرب مولاي الشريف في نفس المرحلة التي كنت قابعا بهذا المعتقل ، وكم كانت دهشتي لما سمعت بالخبر الذي نشر على نطاق واسع في إطار مآمرة محبوكة للقضاء على جماهيريتي وسط الطلبة أنئذ والتي كانت تزعج البعض ، ولاحقا كنت قد قررت أن أكشف تفاصيل هذه المآمرة وقد عدلت عن ذلك حقنا لبعض الأسرار التي قد تؤذي البعض فضلا عن عدم النبش في ملف قد يثير حساسيات ، لأنه ببساطة أن المناضل الذي أقدم على الانتحار كان منظما في تنظيم سري من اليسار الجديد وقد تم تسريحه من الدرب مولاي الشريف بدون محاكمة ، فيما حوكمت ب10 سنوات سجنا نافذة فضلا عن كوني لم تكن تربطني لا من قريب ولا من بعيد بأي علاقة تنظيمية بتنظيم سري سواء إلى الأمام أو 23 مارس يوم كنت طالبا قاعديا .
وعلى العكس من ذلك قد تعرضت لتعذيب بشع داخل الدرب ولم تتسرب مني أي معلومة حول معارفي وعلاقاتي بل كنت ضحية لأشخاص آخرين نسبوا لي عدد من الأمور، وطالما أنهم لم يتكلموا في هذا الموضوع فإنني لن أنبش فيه بالبات والمطلق ، وبعض زعماء هذه الإشاعة بوجدة قدم لي اعتذارا بعد خروجي من السجن واعترف أنه كان ضحية لمكيدة نصبت له لتفريقه عني لأنه كان صديقا حميما لي وأنا استغربت كيف دخل في هذه المواجهة القذرة .
والآن وقد سحب المقال من الموقع الالكتروني جريدة صوت الشعب وأتحدى الذي كتبه أن يكشف عن اسمه وعن مصدر الإشاعة التي تنسب لي زورا وبهتانا ، وليكن في علمه وربما يعلم ذلك أنني واثق من نفسي ولن تنل مني هذه الترهات النابعة من أشخاص أصيبوا بحقد دفين ولا شغل لهم سوى مواجهة مناضلي النهج الديمقراطي الذين جعلوا منه تناقضهم الرئيسي في إطار وعي طبقي مقلوب على رأسه ومشحون بأحقاد كان من المفترض أن توجه للنظام بدل الحفر في تنظيم ديمقراطي يساري جذري حافظ على مشعل الاستمرارية .(ولنا عودة للموضوع )
عود إلى الموضوع ، فصحيح أن النظام هو من خرب الجامعة وغرس العنف وسطها للقضاء على الاتحاد الوطني لطلبة المغرب ، لكن الخطأ القاتل هو أن نعطي ذريعة لهذا العنف أو نصطاد في أفخاخ المآمرات التي ظلت دائما تحاك لاجتثاث القاعديين .قافلة من الشهداء حصدتهم آلة العنف والقمع كان دائما النظام له يد مباشر أو غير مباشر في العمليات الاجرامية التي ذهب ضحيتها عدد من الابرياء : زبيدة ، الاجراوي ، بوملي ، أيت الجيد وأخيرا وليس آخرا الحسناوي .. هؤلاء جميعا قتلهم النظام سواء بترسانته القمعية أو بأيادي تنظيمات ظلامية واستئصالية زجت بالحركة الطلابية في أتون حرب قذرة كانت نتائجها كارثية ومأساوية .
الطلبة القاعديين ومنذ أخذهم لهذا الاسم في غمرة مواجهتهم للانقلاب على شرعية الاتحاد الوطني لطلبة المغرب إبان المؤتمر الوطني السادس عشر المنعقد في غشت سنة 1979 لم يشهدوا أي تطاحنات فيما بينهم وصلت إلى حد استخدام السيوف والعنف الدموي . صحيح كانت تظهر وسطهم ،بين الفينة والأخرى ، خلافات لكن سرعانما يتم احتواءها بمنطق النزوع نحو الوحدة ،استشعارا لأهمية توجيه المعركة الاساسية ضد الخصوم الحقيقيين الذين يتربصون بمنظمتهم العتيدة أوطم .وبفضل الالتحام التنظيمي وحنكة مناضلي ومناضلات هذا التنظيم وتفاعله واغتناءه الإيجابي من أطروحات ورصيد اليسار الجديد وخصوصا منظمة إلى الأمام التي تصدت بكل كبرياء ورباطة جأش وتكبدت خسائر بشرية هي من أشرف مناضلي ومناضلات الشعب المغرب، تكلفة غالية إذن بسبب الحملة القمعية الشرسة التي شنها النظام في أعقاب ترويجه للإجماع الوطني والمسلسل الديمقراطي من أجل السلم الاجتماعي كصفقة سياسية أبرمت عقدئذ في جنح الظلام وعلانية مع القوى الإصلاحية من اجل استئصال الفكر الثوري واليساري الراديكالي .
ولقد كان لهذا المجهود الجبار والتضحيات الجسام صدى حقيقي وسط الجامعة ، في غضون ذلك تأسست لائحة القاعديين كلائحة انتخابية تمكنت في ظرف وجيز من تحقيق الاكتساح لانتخابات الأجهزة التحتية لأوطم : تعضديات ومجالس القاطنين ومجالس الفروع وظلت اللجنة التنفيذية للمؤتمر 16 معلقة في السماء..لقد ذهبوا بهذه الدينامية إلى حدود المؤتمر الوطني17 المنعقد في شتنبر /أكتوبر1981الذين دخلوه بأغلبية هامة لم يتم استثمارها لإنجاح هذه المحطة المصيرية في تاريخ أوطم عبر تمتين الوحدة بين مختلف الفصائل الطلابية ..
المؤتمر كما هو معروف انتهى إلى فشل ذريع أو إفشال حسب بعض التقييمات ، فشل أو إفشال ليس هذا هو المهم ، بل الأهم هو أن الاتحاد الوطني لطلبة المغرب خسر رهان تنظيمي هام ومصيري كانت له تداعيات خطيرة من حيث تفكك هذا التنظيم النقابي وانفلاته من أي سيطرة التنظيميــة .
كما هو معلوم انتهى المؤتمر الوطني 17 لأوطم إلى إعادة الثقة فيما تبقى من أعضاء اللجنة التنفيذية للمؤتمر الوطني السادس عشر بعد أن استنفزف السجال العنيف كل الفصائل الطلابية لمدة قاربت 15 يوما حتى بدأ المؤتمر يفرغ من المؤتمرين ولم يكن أمام القاعديين سوى القبول بالأمر الواقع وتزكية ما تبقى من أعضاء اللجنة التنفيذية السابقة وتكليفها للدعوة لعقد مؤتمر استثنائي في ظرف سنتين .
ونحن على مسافة من هذه المحطة تسمح لإعادة قراءة وتحليل ، ولو بسرعة، الاسباب الحقيقية لفشل هذا المؤتمر ؟ ولعل في إدراك مغزى ذلك ما يفيد قوى اليسار الطلابي في تفادي السقوط الأخير إن كانت ما تزال هناك إمكانية للإنقاذ فعلا؟ وسأجيب عن هذا السؤال من خلال الإشارة للنقاط الحاسمة التي صنعت الفشل أو الافشال ؟
1. عدم مراعاة القاعديين لأهمية موازين القوى السياسية بشكل فعلي داخل المجتمع برمته وانسياقهم وراء القوة العددية في الجامعة واعتقادهم أن ذلك سيؤدي إلى انتصار حاسم كما حدث في المؤتمر الوطني 15 .
2. الدفاع بشكل مبالغ فيه على لائحة رفاق الشهداء الذين دخلوا للمؤتمر بخلفية وحيدة هي تصفية الحسابات السياسية مع الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ويتضح ذلك من خلال تخليهم عن التحالف مع القاعديين بمجرد انسحاب لائحة الإتحاد بل والدخول في صراع معهم وإبراز حقيقتهم السياسية .
3. خلق الانطباع بأن القاعديين بصدد إعادة إنتاج المؤتمر الوطني 15 من خلال الإصرار على تضمين مواقف في البيان السياسي يصعب أن تلقى تراض بين كافة الفصائل .
4. عدم الإصغاء الجيد لبعض الآراء داخل القاعديين والتي كانت تدعو إلى تبني تكتيك سياسي لإنقاذ المؤتمر .
مباشرة بعد المؤتمر بدأت تظهر بعض الآراء والاختلافات وسط القاعديين نذكر بشكل أساسي تيارين : المبادرة الجماهيرية ومجموعة 7 أو مجموعة بنيس ، وكانت هذه التوجهات انعكاس لبعض الصراعات التي كانت تجري وسط مكونات اليسار الجديد وخصوصا إلى الأمام لا سيما بالنسبة للتيار الأول الذي كان يشرئب من التأثير الذي مارسته مجموعة الآفاقيين التي كان ينظر لها عبد اللطيف اللعبي الذي وجه نقدا لاذعا لتجربة إلى الأمام وادعاءه أنه من المستحيل بناء حزب الطبقة العاملة من خلال أنوية البرجوازية الصغرى ، على أي حال فهذه الأفكار كانت معروفة في الأدبيات الماركسية من خلال تنظيرات باكونين والفوضويين .
هذه المجموعات ظلت على الهامش دون أي تأثير يذكر على القاعديين لكونها كانت تحكمها حوافز رد الفعل ولم تكن تعبر عن آراء يمكن أن تطرح بهدوء في سياق التفاعل الإيجابي والبناء، مما جعل التوجه المهيمن على القاعديين يرد بقوة على هذه الطروحات التي أنتهت إلى الهامش ولم تجد أي صدى يذكر وسط الحركة الطلابية .
بعد المؤتمر الوطني السابع عشر ساد غموض وسط القاعديين لم ينقذه سوى أرضية الكراس التي طرحت وسطهم ودعت إلى أفكار سديدة تشكل خارطة الطريق للدعوة للمؤتمر الاستثنائي لإنقاذ أوطم من التفكك والفرغا التنظيمين ، وكانت فكرة ندوة الأطر التي جاءت بها النسخة الأولى إحدى المرتكزات الممكنة لتنقية الأجواء بين الفصائل الطلابية ومختلف مكونات الصف الديمقراطي من خلال الإسهام الإيجابي لإعادة بناء أوطم على قاعدة الحد الأدنى .
غير أن انفجار انتفاضة يناير 1984 غيرت الحساب السياسي وخلقت ارباكات قوية لأرضية الكراس فضلا عن كون طريقة صياغتها وتوجيهها للقاعديين عبر إقصاء عدد منهم من المساهمة كان لها أثر سلبي على وحدة القاعديين ، وكان منطلقا لبروز اختلافات عنيفة وسط هذا التنظيم الطلابي الذي دخل في مسار من الغموض والصراعات الشاقة لم تنل في واقع الأمر من وحدتهم حتى حدود نهاية الثمانينات التي انفجرت وخرجت للعلن كصراع بين القاعديين أنصار الكراس والقاعديين التقدميين .
حدث هذا الانشقاق ولا سيما بظهر المهراز بفاس بعد اعتقالي رفقة مجموعة من القاعديين سنة 1988 في ملف شهير سمي بملف بوعلي ومن معه وكنت آخر من اعتقل في هذه المجموعة ، بينما كنت ناطقا رسميا باسم القاعديين فيما كان آخرون لهم وزن أساسي في الساحة الطلابية ولم يكن هناك أي صراع علني يستحق الذكر بين القاعديين إلا بعد أن تمكن النظام من اعتقال أهم مجموعة قاعدية في تلك المرحلة التي كان لها أثر حاسم في حماية وتمتين وحدة القاعديين رغم ما كانت تظهر بينهم من خلافات طارئة.
في الحلقة الثالثة : أسباب انفجار الصراع بين القاعديين وشروط بروز ما يسمى بتوجه البرنامج المرحلي .
وسنعود في الحلقة الرابعة إلى سيناريوهات الاغتيالات بالجامعة المغربية وآفاق تحولات الصراع داخل الجامعة والحلول الممكنة لإنقاذ أوطم (مجرد رأي
مواضيع ومقالات مشابهة



