للنشر اتصلوا بنا على الاميل التالي: yahayamin1@gmail.com '
.

بـانورامـا

حقوق الانسان و الحريات

اخبار اجتماعية

حقوق الجنازة و الدفن محفوظة ! لـ رشيد شريت


في أول صفحة بجـواز السفر الأمريكي!! تجد مكتوبا: حامل هذا الجواز تحت حماية الولايات المتحدة الأمريكية فوق أي أرض وتحت أي سماء. وفي الجواز البريطاني تجد: ستدافع المملكة المتحدة عن حامل هذا الجواز حتى آخر جندي على أراضيها ...وفي الجواز الكندي : نحرك أسطولنا من أجلك.....
أما في جواز سفر الضيعة السعيدة فالأسطول لا يتحرك حتى لو اغتصبت ليلى و أخواتها عن بكرة أبيهم ! فما بالك بتحريكه من أجل " مُواتِن بئيس !" بالتاء، و لا أقول "مواطن". وتجد في آخره الحواز : "إذا ضاع الجواز أو تلاشى فعلى صاحبه أن يخبر في الحين المصلحة التي سلمته له "! بمعنى أن المهم هو جواز السفر؛ و لا يهم صاحب الجواز و وضعيته المأسوية في حالة إذا ما ضاع منه الجواز و المال... في بلاد أجنبية ! و ربما قد تضاف في المستقبل القريب إذا ما استمرت حالة كوارث البنغلاديش: بأن صاحب هذا الجواز في حالة موته حرقا أو غرقا أو ردما ( موتة جماعية ) فإن مصاريف الدفن و الجنازة مكفولة؛ فما عليه إلا أن يموت قرير العين!
في الضيعة السعيدة لا يُعترف لك بمواتَنتك ( مواطنتك) إلا بعد أن تفارق روحك جسدك ! فراقا أليما، إما غرقا و إما ردما و إما حرقا...بمعنى أنك لست في "وطن" بقدر ما أنت في مقبرة كبيرة تنظر متى تلتحق بقواقل المنتقلين إلى ىالدار الاخرة عبر الاليات التي سبق ذكرها ! و كل ما قد ينالك من مُواتَنتك. هو ذلك البلاغ اليتيم التي تقذف به وكالة ما تيسر من الأنباء بأنه قد تم التكفل بجنازتك و دفنك...
يريدون أن تبقى مدينا و ممنونا لهم حتى بعد موتك! ففي الحياة أنت ممنون لهم بنعمة "الاستقرار" و "الاستثناء". و إن لم ينلك من هذه النعمة إلا الردم و الحرق و الغرق...و بعدها عليك أن تشكرهم و أنت في قبرك على أنهم قد تكرموا بمصاريف دفنك و جنازتك...و تمدحهم على حسن صنيعهم... و رحم الله الأديب الشهيد غسان كنفاني حين صور الوضع قائلا : يسرقون رغيفك .. ثم يعطونك منه كِسرة .. ثم يأمرونك أن تشكرهم على كرمهم .. يا لوقاحتهم...و أضيف و يا لسخافتنا !
و لا نعرف كم عدد التعزيات و الجنازات التي تم التكفل بها لأن الأمر أصبح يفوق كل التصورات! بل الوضع ملح لإنشاء وزارة الكفن و الكافور أو إحداث المندوبية السامية للجالية المغربية التي سافرت إلى الدار الآخرة عبر آليات الحرق و الردم و الغرق ! ...
و لأن سوق الجنائز تجارة سياسية رابحة. فقد تكفل الوافد الجديد هنا بهذا القسم من الضيعة السعيدة بتوفير سرادقات العزاء؛ مع سيارة إسعاف جديدة لوكس خصصت لهذا الغرض. أما التيار الوهابي البترودولاري فبدوره دار حيث تدور المصلحة. و ها هو يحرص على تقديم العون الاجتماعي الجنائزي عن طريق تقديم خدمات تغسيل الأموات؛ إحياء للسنة و محاربة للبدعة !
و الغريب أن "الـمُواتِن" مجازا في الضيعة السعيدة لا يعيش على السنة و لا الشريعة. فقط عندما تفارق روحه جسده تظهر فجأة الحرص على السنة ! مثل قضية القبلة التي قفزت فجأة في جنازة السيدة الفاضلة خديجة مالكي رحمها الله حين اكتشف القوم بأن القبر فيه اعوجاج هندسي مليمتري عن القبلة...!
لا يهم كيف ماتت الضحية ؟ و لا عن الأسباب ؟ و لا يُفتح تحقيق جدي عن ظروف الإسعاف دون المستوى المتأخر ؟ و يستحيل أن يعترف مسؤول بجسامة الأمانة و المسؤولية ! فما بالك أن يقدم استقالته إحساسا منه بالمسؤولية و التقصير ! فهذه مسألة تكاد تكون من علامات الساعة الكبرى التي تسبق النفخ في الصُور!
بهذه العقلية و ثقافة اللا مسؤولية، من أعلى السلم إلى دركاته. و في بلد مسلم المفروض أنه يحي سنة " لو عثرت بغلة في العراق لسئل عمر ! طبيعي جدا أن تكثر الحوادث و الكوارث و تتناسل ! و دعك من شعارات الحزن الفارغة و الدعوات المراهقة إلى الحداد...الحداد الحقيقي هو المساءلة و المحاسبة و إيقاف نزيف اللا مسؤولية. أما ما عداها فلا تعدو مجرد طقس فولكلوري برنة حزينة لا تسمن و لا تغني من جوع !
و سيكتب التاريخ أن محرقة للأطفال قد شهدها هذا اليوم الأغر الحزين، لا مثيل لها إلا في دول كالبنغلاديش و سيريلانكا...و سيكتب التاريخ أنه و لا أحد من القوم استيقظ ضميره و قدم استقالته استشعارا منه بالمسؤولية و تأنيبا للضمير ! و سيكتب التاريخ أننا شعب فولكلوري حتى في الجنائز و المآثم... مثقوب الذاكرة ...و بلا قضية !
و سيكتب و يكتب و يكتب...مجلدات و أسفارا في فقه النكسة و الانحطاط....
رحم الله ضحايا الكوارث بالضيعة السعيدة شهداء الحرق و الردم و الغرق....و أسكنهم فسيح جناته و ألهم ذويهم الصبر الجميل و السلوان الحسن.  أمــــــــــــــــــــــــــين

رشيد شريت

مواضيع ومقالات مشابهة

/* ------------------------------ اضافة تعليقات الزوار من الفيس بوك ------------------------------ */
Organic Themes