ناشر الموضوع اسفله
Unknown
|
الجمعة، 11 سبتمبر 2015
|
مرة أخرى، ودون مفاجأة، فاز المراهق الذي يسمى "الأصالة والمعاصرة" بالانتخابات البلدية، كما فاز بها عام 2009 وهو طفل لم يتجاوز العامين، امام شيوخ وكهول وشباب يسمّون "الاستقلال" و"الاتحاد الاشتراكي" و"التقدم والاشتراكية" و"العدالة والتنمية"… كي نفهم الى اين نحن ذاهبون لا بد ان نعرف من اين أتينا، لذلك لا بأس أن نتذكر بأن حزب "الأصالة والمعاصرة"، الذي بات يهيمن على المشهد السياسي المغربي، تأسس قبل سبع سنوات فقط، على يد المستشار الملكي فؤاد عالي الهمة، الذي كان وقتها وزيرا منتدبا في الداخلية، وغادر منصبه فجأة صيف 2007 على متن "الجرار" إياه، ودهس في طريقه عددا من الأحزاب، قالِبا الحقل السياسي رأسا على عقب، وحين صارت للمغرب نسخته المربكة من "الربيع العربي"، اضطر الهمة إلى النزول من "الجرار" والعودة الى القصر كمستشار.
"وذكّر إن الذكرى تنفع المؤمنين": قبل "الأصالة والمعاصرة"، سيطر حزب يسمى "جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية"، بقيادة مستشار الحسن الثاني احمد رضا كديرة، على المشهد الانتخابي عام 1963، وهيمن حزب اسمه "التجمع الوطني للأحرار" بزعامة صهر الملك الراحل أحمد عصمان على البرلمان عام 1978، وفي انتخابات 1984 ولد حزب اسمه "الاتحاد الدستوري" يقوده الوزير الاول المعطي بوعبيد وحصد غالبية المقاعد… وكلها مخلوقات سياسية "طبخت" على عجل، من طرف مقربين من القصر، كي تظل خيوط اللعبة في يد "من يصنعون المطر والجو المشمس" في المملكة الشريفة، وأدت أدوارها التاريخية ببراعة، قبل أن تنقرض أو تتحول إلى أحزاب عادية تتقاذفها الاقتراعات والتحالفات، كما هو الشان اليوم مع "الاتحاد الدستوري" والتجمع الوطني للأحرار"، التي أصبحت مجرد "جوكيرات" ثانوية امام "الجوكير" الرئيسي الذي يمثله حزب إلياس العمري.
اكثر من نصف قرن واللعبة هي هي، لم تتبدل. القشرة معاصرة واللب ضارب في القدم. "الأصالة" هي المخزن، و"المعاصرة" هي الديمقراطية. لكن السياق لم يعد نفسه. بالأمس كانت "جوكيرات" القصر تتواجه مع احزاب اليسار، واليوم اصبح الخصم "إسلاميا" مع ضيق واضح في هامش المناورة، بسبب انقراض أساليب التزوير المباشر التي كانت تسمح بالتحكم في صناديق الاقتراع، خلال العهود السابقة. قواعد اللعب تغيرت. ماعدا بعض الخروقات الهامشية، الانتخابات باتت شفافة بشهادة المراقبين، والتنافس ديمقراطي بين الفرقاء، والنتيجة: كعكة موزعة بالتساوي بين "الأصالة والمعاصرة" و"العدالة والتنمية".
لقد كرست انتخابات الرابع من شتنبر هيمنة قوتين على المشهد السياسي : الإسلاميون، بقيادة "العدالة والتنمية"، الذين يستفيدون من المخزون المحافظ للشعب المغربي ومن وجودهم في الحكومة كي يوسعوا هيمنتهم على المجتمع والمؤسسات، و"الدولة العميقة" التي تسعى الى التحكم في المشهد وتحجيم نفوذ الإسلاميين عن طريق "الأصالة والمعاصرة". هل يعني ذلك ان قدرنا هو ان نختار بين الحزبين؟ كلا، بين اللحية والشاشية يوجد طريق ثالث. هناك "رسالة" الى من يهمه الامر، وهذه أيضاً احدى نتائج هذا الااقتراع.
رغم أن "فيدرالية اليسار" احتلت الرتبة التاسعة، فإن مرشحيها حظوا لاحتضان شعبي تلقائي في كثير من المدن والقرى المغربية، ما يعني أن "الرسالة" وصلت. النجاح الذي حققته لائحة عمر بلافريج في قلب الرباط، باحتلالها الرتبة الثانية بعد "العدالة والتنمية"، متقدمة على لوائح "لأصالة والمعاصرة" وبقية الأحزاب، تؤكد أن اليسار في المغرب لم يمت، وحين نعثر على المرشح المناسب في الدائرة المناسبة تتحقق المعجزة. ولو استطاعت "الفيدرالية" تجميع شتات اليسار، في أفق الانتخابات التشريعية المقبلة، لحققت انتصارا تاريخيا يشبه ما حققه اليسار الراديكالي في اسبانيا واليونان. مات اليسار، عاش اليسار. "الوردة" ذبلت لكن "الرسالة" وجدت من يحملها!
جمال بودومة