ترأس السعودية للجنة خبراء حقوق الإنسان.. لـ علي انوزلا

أمر لم يكن ليحصل حتى في الخيال، حتى قبل فترة قصيرة من الزمن، عندما كانت المبادئ هي التي تحرس القيم. لكنه أصبح اليوم أمرا واقعا لا ينفع أن لا نصدقه.
الأمر يتعلق بتعيين السعودية على رأس لجنة الخبراء المستقلين في مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة.
الخبر الصاعقة قوبل بعاصفة من الانتقادات من منظمات حقوقية وناشطين حقوقيين. وتنوعت الأوصاف المنتقدة لهذا التعيين من وصفه بـ "الفضيحة"، إلى "السخيف"، و"المشين".
سجل السعودية الأسود في مجال حقوق الإنسان كارثيا بكل المقاييس، وهو يجعلها في موقع المدان وليس في منصب المدافع عن هذه الحقوق التي لا تحترم حتى أبسطها. فهذه المملكة محكومة من طرف أسرة توزع المناصب والثروات بين أفرادها الأميرات والأمراء الذين يفوق عددهم عشرة آلاف. وهي دولة تعيش بلا دستور على اعتبار أن "القرآن" هو دستورها الرسمي. لذلك فلا مجال للحديث عن وجود عدالة مستقلة، أو مؤسسات دستورية تتوزع السلطات فيما بينها.
أما الأحزاب السياسية والمنظمات المدنية المستقلة فكلها بدع، ولا حاجة للانتخابات لأن كل المناصب توزع بالتعيين حسب معايير الانتماء إلى الأسرة الحاكمة والقبيلة ثم الولاء. ورغم تعدد عناوين الصحف والقنوات الفضائية والمواقع الرقمية، إلا أنها كلها تمثل الصوت الواحد، صوت الأسرة الملكية التي تحكم بالسيف والدين.
بلد لا وجود فيه لشيء اسمه الحق في التجمع السلمي، والمرأة فيه محرومة من أبسط حقوقها، بما فيها حتى قيادة السيارة، أما الأقليات فمازال الحديث عن حقوقها من المحظورات. والعمالة الأجنبية تعامل معاملة "العبيد" حيث يحتاج كل عامل داخل البلد مهما علا شأنه، بما فيهم أطر الجامعات والشركات الكبيرة، إلى "كفيل"، وبموجب هذا النظام "العبودي" يحق لـ"الكفيل" مصادرة جواز "المستخدم" وبالتالي التحكم في حركة تنقله بحرية، وفي هذا خرق لواحد من أبسط حقوق الإنسان، ألا وهو الحق في التنقل بحرية.
بلد، ينافس الصين وإيران من حيث عدد الإعدامات التي تنفذ فيه سنويا، وحسب تقارير حقوقية فإن عدد الأشخاص الذين أعدموا بقطع الرأس في السعودية عام 2015 أكثر من الذين أعدمهم التنظيم الإرهابي "داعش"، وبنفس الطرق البشعة والهمجية، أي ضرب الأعناق بالسيوف في الساحات العامة.
دون أن ننسى الدور القذر الذي لعبه النظام السعودي في قمع وإجهاض وعسكرة الانتفاضات الشعبية في المنطقة العربية، وقد كشفت قصاصات "وكيليكس" التي تم تسريبها مؤخرا دورا آخر لا يقل قذارة يقوم به هذا النظام يتمثل في شراء ولاءات الصحف، وإسكات الأصوات المنتقدة له بما فيها حتى تلك التي توجد وتعيش وتنتمي إلى دول ديمقراطية تبعد عنه بآلاف الكيلومترات، وملاحقة المعارضين لهذا النظام أينما كانوا ومن أية جنسية كانوا.
فهل تغاضت الأمم المتحدة عن كل هذا السجل الأسود عندما قررت إسناد رئاسة المجلس الذي يعتبر درة جوهرة مجلسها العالمي لحقوق الإنسان؟
لا أحد سيصدق أن هناك نوع من التغاضي أو الخطأ الذي وقع. إن ما حصل هو مؤشر خطير على التنازلات التي يتم تقديمها لنظام يجر وراءه سجلا كارثيا لحقوق الإنسان. وفي هذا التنصيب رسالة سيئة إلى كل دكتاتوريي ومستبدي العالم بأن القيم الإنسانية، مثلها مثل أية بضاعة أخرى، يمكن أن تساوم بالمال والمصالح. وما الذي سيمنع إذا من أن يتقدم نظام بشع مثل نظام كوريا الشمالية للحصول على عضوية هذا المجلس الكوني لحقوق الإنسان؟ ولم لا إسناد رئاسته مستقبلا إلى الرفيق جونغ أون، فسجل النظام السعودي في مجال حقوق الإنسان لا يقل فظاعة عن سجل النظام الشيوعي في كوريا الشمالية، مع فارق بسيط، وهو أن السعودية بثرواتها البترولية، واحتياطاتها المالية الكبيرة، وموقعها الاستراتيجي في رقعة شطرنج حارقة، تعرف كيف تستعمل كل هذه الأوراق للابتزاز وشراء الذمم، للدوس على القيم الكونية وداخل واحد من أعلى مجالس حماية هذه الحقوق وصيانتها والدفاع عنها.
مواضيع ومقالات مشابهة



